السيد مصطفى الخميني

393

تحريرات في الأصول

الثالث : وهو الوهم الأخير المتوجه إلى الاستدلال ، وهو أن المقصود من الاستدلال بالأخبار في أمثال المقام ، ليس تحديد المقتضيات ، وتعيين الحدود للمفاهيم العرفية واللغوية ، فإن ذلك خارج عن حيطة التعبد المقصود ، وهو الاستشهاد بالأدلة التعبدية لتقريب ما يستظهر من البناءات العقلائية ، أو ما يقتضيه العقل النظري ، فعلى هذا إذا كانت الرواية مورد المناقشة عقلا لا يمكن التعبد بها ، وتسقط عن الاستدلال والاستشهاد . والمناقشة العقلية هنا : هي أن النهي لا يعقل أن يكون مستتبعا للحكم الوضعي وهو الفساد ، بل هو يستتبع الصحة والإجزاء ، وذلك لأن الأوامر والنواهي التكليفية الإلهية وغير الإلهية ، لا تعقل إلا في موقف قدرة المكلفين على الطبيعة المأمور بها ، أو المنهي عنها ، وإلا تلزم اللغوية الظاهرة الواضحة . وعلى هذا ، فالنهي التحريمي عن النكاح والمعاملة ، شاهد على قدرة العبد على النكاح والمعاملة خارجا ، وشاهد على تمكن العبد من الإتيان بتلك المعاملة ، وإذا كانت المعاملة الخارجية مقدورة ، فلا بد وأن تكون صحيحة ، وإلا فلا معنى للنهي عنها ، فالتعبد بالمسألة الأصولية - لأجل قيام هذه الأدلة الشرعية - غير جائز ، بل لازمها هو التعبد بنقيض المطلوب . أقول : هذا ما هو الإشكال المنسوب إلى أبي حنيفة والشيباني ويظهر عدم اختصاصه بالمعاملات ، لأن العبادة المنهية أيضا لا بد وأن تكون مقدورة للعبد حتى يصح النهي عنها ، فالنهي فيها أيضا يشهد على الصحة وإمكان تحققها الملازم للإجزاء ، وقد تعرض الأصحاب - رحمهم الله تعالى - لهذه الشبهة بشكل مستقل ( 1 ) ، ولكننا تعرضنا بشكل آخر كما عرفت ، والأمر سهل .

--> 1 - قوانين الأصول 1 : 163 / السطر 2 ، مطارح الأنظار : 166 / السطر 15 ، مناهج الوصول 2 : 167 .